حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

114

التمييز

باب في مدح الحياء وهو انحصار النّفس خوف ارتكاب القبائح ، وهو وإن كان ألطف فهو باب من المخافة يرتدع الإنسان بالحياء كما يرتدع من الخوف ويمتنع . قال اللّه تعالى وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ « 1 » قيل بالحياء ، وهو اسم يدخل فيه الحياء من اللّه ، وأنّ العبد إذا اتصف بالحياء من اللّه ترك كلّ ما لا يرضي اللّه وما يشينه عند اللّه وعند رسول اللّه ، ويدخل فيه الحياء من النّاس ، وهو أن يستحيي منهم في جهره كما يستحيي من اللّه في سرّه ، ويدخل فيه الحياء من نفسك وهو أن لا تأتي في الخلا إلّا بما تأتي في الملا ، ومن استحيى من النّاس ولم يستحيي من نفسه فليس لنفسه عنده قدر ، ثم إن مواطن الحياء في الانسان كثيرة فإنّ الحياء صفة يسري نفعها بمن قامت به في أكثر الأشياء وهي خوف المستحيي من تقصير يقع منه من عين من هو أفضل منه . قال إبراهيم الخواص « 2 » : إن العباد عملوا على أربع منازل ؛ على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء وأرفعها منزلة الحياء لمّا [ علموا و ] « 3 » أيقنوا أن اللّه يراهم على كل حال ، فقالوا : سواء علينا رأيناه أو رآنا / 40 ب / فكان الحاجز لهم عن معاصيه الحياء منه . قال عمر رضي اللّه عنه : نعم العبد صهيب « 4 » لو لم

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية ( 251 ) ، كذلك انظر سورة الحج : آية ( 40 ) . ( 2 ) هو إبراهيم أبو إسحاق بن أحمد بن إسماعيل ( ت 291 ه / 904 م ) من أهل سر من رأى ، وهو أحد شيوخ الصوفية ، وممن يذكر بالتوكل وكثرة الاسفار إلى مكة وغيرها . وله كتب مصنفة . تاريخ بغداد 6 / 7 - 10 . ( 3 ) زيادة من نور عثمانية 3753 وأسعد أفندي وبشير بوبو . ( 4 ) هو صهيب بن سنان بن مالك ( ت 38 ه / 659 م ) صحابي من أرض العرب وكان قبل اسلامه يشتغل بالتجارة وأصبح عنده مال وفير وقد جرده مشركو قريش من جميع أمواله عندما هاجر إلى المدينة ، وتوفي بالمدينة . طبقات ابن سعد 3 / 161 - 164 ؛ صفة الصفوة 1 / 430 - 431 .